“أشك اذا ما كان قد قام في تاريخ الشعب اليهودي شخص يساوي بقيمته شخصية البارون روتشيلد الرائعة”

دافيد بن غوريون

130 عامًا من الروح الطلائعية

منذ مطلع القرن الـ19 وحتى يومنا هذا تخدم عائلة روتشيلد كواحد من أعمدة الأساس التي عليهم ترتكز الرؤية الصهيونية ودولة إسرائيل. الطموح لأن نقيم، نطوّر ونؤسس دولة متقدمة ومتطورة – والتي لن تكون فقط مكان سكن للشعب اليهودي، بل تشكل رمزًا ومثالًا أعلى لمجتمع عادل ومتلاحم – يرافق العائلة منذ أكثر من 130 سنة، منذ نشط البارون إبراهيم بنيامين إدموند جايمس دي روتشيلد في البلاد، “المعطاء الشهير”.

حضور "المعطاء الشهير" على منصة التاريخ

حملة المذابح المنظمة التي عرفت باسم "عواصف النقب" (1881-1882)، وانعكست بالتطرف المعادي للسامية المتصاعد في روسيا، كان هناك لحظة مغيّرة في حياة البارون أفراهام بنيامين إدموند جايمس دي روتشيلد، أحد أثرياء يهود فرنسا في ذاك الحين. في أعقاب المذابح ضد يهود روسيا، اقتنع البارون، حينها في الـ35 من العمر، أنه لا بد من دعم اليهود الذي اختاروا الاستيطان في أرض اسرائيل.
وباشر البارون تدخله في مساعدة الاستيطان اليهودي في أرض اسرائيل بتبرع سخي ساهم بإنشاء مستوطنة ريشون لتسيون، التي كانت على وشك التفكك. فيما بعد انتشرت نشاطاته الخيرية وشملت شراء أراضٍ، تنمية اقتصادية للمستوطنات وإنشاء بنى تحتية للمؤسسات التربوية والصحيّة والمزيد. إلتصق لقب "المعطاء الشهير" به في سنوات نشاطه الأولى بسبب رفضه نشر اسمه كمعطاء سخي.
روتشيلد، الذي تحرك من منطلق الرسالة الخيرية والايمان الديني، كان قبل كل شيء رجل أهداف سامية حلم بأن يُقام في أرض اسرائيل مجتمعًا صحيًا، مستقلًا، منتجًا، ومتساويًا. في الخطاب الذي ألقاه امام المستوطنين الأوائل أعلن: "لم آتِ لمساعدتكم بسبب فقركم ومعاناتكم، إذ أنه في العالم حالات عديدة من المعاناة الشبيهة. فعلت ذلك، لأنني رأيت بكم من محققي إحياء اسرائيل والهدف الأسمى الغالي على قلوبنا جميعًا - الهدف المقدس المتمثل بعودة إسرائيل الى أرض الميعاد والأجداد".

رحلات البارون الى ارض اسرائيل

قام البارون روتشيلد بخمس رحلات الى أرض اسرائيل، وفي كل رحلة جلب معه طاقمًا من الخبراء والمعدات المهنية لمساعدة الاستيطان والمساهمة بإنشاء وتنمية خدمات الصحة والتربية والتعليم ولفروع الزراعة. خرج بالرحلة الأولى في عام 1887، عندما كان في الـ42 من العمر. كانت خطته أن يدخل البلاد دون أن يدري أحد، كي لا يستقطب اهتمام رجال السلطات العثمانية. لهذا صعد هو وزوجته ادلهايد- عيدا، كعامة الشعب، على سفينة ركاب سافرت من الاسكندرية الى يافا، لكن مخططه لم يفلح من جديد وعلم أبناء المستوطنات الاسرائيلية وهاجوا وماجوا مع نبأ وصول المعطاء السخي. باشر رحلته بالصعود الى الحائط الغربي (حائط البراق)، ومن هناك واصل رحلته وزار المؤسسات التربوية التي أقيمت بمساعدته وتجوّل في المستوطنات.
في رحلاته الأخرى بالبلاد - آخرها تمت عندما قارب عامه الثمانين، في 1925 - التقى البارون روتشيلد بقادة الاستيطان الإسرائيلي ومندوبي الحكومة، عاين وشاهد الانجازات والنجاحات التي حققها المزارعون في المستوطنات، قدّم المردود للصعوبات وبعث الأمل بحياة الاستيطان اليهودي أجمع.

ياكا - الشركة اليهودية للاستيطان

بعد ثمانية عشر عامُا من الدعم المباشر للمستوطنات، نقل البارون روتشيلد إدارة المستوطنات التي كانت تحت رعايته لأيدي ياكا (Jewish Colonization Association) - الشركة اليهودية للاستيطان، التي عملت على توطين اليهود الفارين من أوروبا في أنحاء العالم. ولكن حتى تحت إدارة ياكا، التي أسسها البارون هيرش، واصل البارون روتشيلد بدعم المستوطنات - هناك من يقول إنه كان الروح الحية في ياكا - وساعد الشركة على الاستمرار، توسيع النشاط وتجذر الاستيطان في أرض اسرائيل. هذه الخطوة، التي تسببت بعاصفة في المستوطنات اليهودية في بادئ الأمر، أدت في نهاية المطاف لإنشاء مستوطنات جديدة وساهمت في استقلالية المزارعين وازدهارهم الاقتصادي.

بيكا - الشركة للاستيطان اليهودي في أرض اسرائيل

كجزء من رؤيته لتأسيس الاستيطان اليهودي في أرض اسرائيل، أنشأ البارون روتشيلد شركة الاستيطان اليهودي في أرض اسرائيل - بيكا (Palestine Jewish Colonization Association) ووضع ابنه جايمس أرمن دي روتشيلد على رأسها. اللجنة الإسرائيلية التي اقامها البارون كجزء من نشاط ياكا (التي توقفت عن النشاط عام 1923) قررت نقل كافة ممتلكاتها الى بيكا وهكذا انتقلت مستوطنات مشمار هياردين، الخضيرة، ونس تسيونا لإدارة الابن جايمس. واصلت بيكا بشراء الأراضي وإقامة المستوطنات، وعملت على تشجير الأراضي التي اشترتها وأنشأت العديد من المصانع في نواحي البلاد.

وفاة "المعطاء الشهير"

توفيّ البارون إدموند دي روتشيلد عن عمر ناهز الـ89 عامًا. توفيّ "المعطاء الشهير" في باريس وووري جثمانه الثرى في مقبرة "بير لاشيز". أشهر قليلة بعد وفاته توفيت أيضًا زوجته عيدا، ودُفنت بجانبه.
ما عدا فترة قصيرة خلال الحرب العالمية الأولى، التي ساعد فيها البارون بالأخص مؤسسات صهيونية في أنحاء العالم، لم ينكف البارون روتشيلد عن نشاطه ودعمه للمستوطنات حتى يوم رحيله. طول حياته استثمر البارون أكثر من خمسة ملايين جنيه استرليني في تطوير وتنمية المستوطنات؛ اشترى نحو 500,000 دونم من الأراضي في إسرائيل وأقام عشرات المستوطنات، المصانع، المشاريع، البيارات والمزارع.

الراحة الدائمة في "يد هناديف"

بعد عشرين سنة على وفاتهما تم نقل رفات البارون روتشيلد وزوجته البارونة عيدا إلى اسرائيل، في سفينة سلاح البحرية لدولة اسرائيل الشابة. تم جلب "المعطاء الشهير" للراحة الدائمة في حفل دفن رسمي في رمات هناديف، التي تقع بين مستوطنتين تحملان اسمه واسم والده - بنيامينا وزخرون يعقوف.
غداة دفنه عقد الكنيست الاسرائيلي جلسة خاصة في ذكراه، والتي ألقى فيها رئيس الوزراء موشيه شاريت خطابًا طويلًا لذكرى المعطاء. من أقوال شاريت: "لم يظهر كرحيم، وإنما كمخلص - خلّص الشعب من شتاته، ومن قفار ويباب أنحاء الأرض... لم يخصص أمواله الخاصة بمستويات عظيمة وباستمرارية طويلة لمشروع كان عمليًا ذو طابع قومي بحت - إنه عمل لم يسبق له مثيل في صفوف شعب اسرائيل وبقية الشعوب - وإنما خصص كل ما يملك واستثمر ذاته كاملة في ما عمل اعتبره عمل مقدس.
بينما رئيس الوزراء الأول، دافيد بن غوريون، فقد نعاه بالكلمات التالية: "أشك بأنه اذا كان في تاريخ الشعب اليهودي أجمع في الشتات، فترة ألفي سنة، قد نجد شخصًا يرتقي الى الشخصية الرائعة لباني المستوطنات اليهودية في موطنه المتجددد بيومنا هذا، شخصية البارون إدموند دي روتشيلد".

حفيد البارون يُنشئ الصندوق

كمكمل درب جده الخيرية وحامل راية الميراث العائلي بالتبرع السخي لبناء البلاد، أنشأ البارون إدموند دي روتشيلد، حفيد "المعطاء الشهير"، صندوق إدموند دي روتشيلد. في حين كان جده قد ترك بصمته على شراء الأراضي واستيطانها، سيُذكر البارون إدموند دي روتشيلد بفضل عمله لتحفيز الصناعة في أرض اسرائيل ومساهماته السخية لمؤسسات التربية والتعليم والثقافة.
وكانت قد تبرعت عائلة المعطاء الشهير بالـ500,000 دونم التي اشترتها العائلة لدولة إسرائيل مع اقامتها؛ بعد قرابة العقد، في نهاية الخمسينيات من القرن المنصرم، نقلت العائلة أراضي قيساريا (نحو 30,000 دونم)، لصندوق روتشيلد قيساريا، ودعت الدولة لتكون شريكة في الصندوق.
بحسب نموذج النشاط المميز الذي طوّره الصندوق، كل المدخولات من تطوير بلدة قيساريا تنتقل من الشركات التابعة للصندوق - وبينها شركة تطوير قيساريا والشركة لممتلكات قيساريا - لأهداف خيرية ترتكز حولها نشاطات الصندوق.
يعمل الصندوق لخلف مجتمع إسرائيلي متنوّع، عادل، متلاحم ومزدهر، ويحرّك عمليات عميقة للتغيير المجتمعي بهدف تقليص الفجوات في المجتمع، تشجيع التنوّع البشري وتنمية قيادة جديدة بواسطة التعليم العالي.

ميراث العمل الخيري العائلي

مع رحيل البارون إدموند دي روتشيلد عنا، انتقلت الصناديق العائلية الخيرية لإدارة ابنه، البارون بنيامين دي روتشيلد. البارون وعقيلته، البارونة اريان دي روتشيلد، يقودان نشاط صندوق إدموند دي روتشيلد في إسرائيل والعالم، بينما يعملون على توسيع وتطوير نشاطها بشكل دائم ومتواصل.

دعم كلية بتسالئيل

كجزء من دعمها واسع النطاق لمؤسسات التعليم العالي، صادق الصندوق على دعم في تطوير قسم الإعلام المرئي في أكاديمية الفنون بتسالئيل في القدس. بمساعدة الصندوق تم توسيع حرم بتسالئيل في "هار هتسوفيم" (جبل المشارف) والقسم - الذي يعتبر الرائد في مجاله في إسرائيل - حظي بحيز جديد ومتاح.

تطوير المركز التكنولوجي في حولون

الصندوق بكونه حامل راية تحقيق التعليم العالي في إسرائيل، دفع بتبرع سخي لمصلحة تشييد مبنى جديد لكلية العلوم في المعهد التكنولوجي في حولون، إحدى المؤسسات الاكاديمية الحداثية في اسرائيل. يقدم المبنى الردود لكافة احتياجات الكلية ويضم غرفًا صفيّة، مختبرات للتعليم والبحث وكذلك صالة أوديتوريوم.

تدشين "قصر الأسماء" في ياد فاشيم

بفضل التبرع السخي من قبل الصندوق تم تدشين "قصر الأسماء" من جديد في متحف تاريخ المحرقة اليهودية في موقع "ياد فاشيم". في قصر الأسماء - ضريح دائري على جدرانه محفورة أسماء ملايين اليهود الذين سقطوا في المحرقة - كما يُحتفظ بنحو 2,7 مليون ورقة شاهد أصلية، الى جانب صور ضحايا المحرقة من دول مختلفة وخليفات مختلفة. تم تخصيص فضاء مركزي في القصر للبحث عن أسماء الضحايا والتوحد مع ذكراهم.

مشاريع جديدة بمبادرة الصندوق

في أعقاب تشخيص احتياجات حيوية بالمجتمع الإسرائيلي باشر صندوق إدموند دي روتشيلد لانشاء مشروع بمبادرته، إضافة الى مساهمته طويلة الأمد للمشاريع القائمة. تركز مشاريع الصندوق على خمسة مجالات - تحقيق التعليم العالي، التميّز الأكاديمي، الفنون، الريادة - ايمباكت والقيادة - التي تنشط في شتى أنحاء البلاد بهدف تقليص الفجوات الاجتماعية، تعميق المساواة وتوسيع الفرص للمشاركين فيها. من بين مشاريع الصندوق: برنامج روتشيلد - وايزمان للتميّز في تدريس العلوم (أنشئ عام 2008): برنامج أريان دي روتشيلد لطالبات الدكتوراة (2009)؛ مكعب روتشيلد في جامعة بن غوريون بالنقب (2011)؛ وبرنامج أمل إسرائيلي في الأكاديميا بمشاركة مع مقر الرئيس (2017).

إنشاء "سفراء روتشيلد"

أنشئ برنامج "سفراء روتشيلد" كبرنامج الراية الخاصة بصندوق إدموند دي روتشيلد، بهدف تأهيل جيل القيادة الاجتماعية المستقبلي بالمجتمع الاسرائيلي. يعثر البرنامج على شبان وشابات من الضواحي الاجتماعية والجغرافية في إسرائيل ويقدم لهم الأدوات التي ستساعدهم على قيادة المجتمع الإسرائيلي في مجالات المجتمع والاقتصاد.
يكمن تميّز برنامج سفراء روتشيلد في الدمج بين المعرفة، الوعي، العمل والقيادة المجتمعية، وبين عملية نمو ذاتي، أكاديمي وتوظيفي. ينشط البرامج في عشرة مؤسسات أكاديمية بانتشار قطري، يستمر لثلاثة سنوات الى جانب التعليم للقب الأول، ويُكسب خريجيه لقب اجتماعي مدني فريد من نوعه.

سندات الدين الاجتماعية الأولى في إسرائيل

إصدار سندات دين الاجتماعية الأولى في إسرائيل، والأولى في العالم بمجال التعليم العالي. تم إطلاق سندات الدين الاجتماعية، التي أسست بهدف تقليص نسبة المتسربين من التعليم العالي في إسرائيل، بالتعاون مع SFI - Israel Social Finance، بمبادرة الصندوق كمستمثر أساسي وفي أعقاب تجربة أولية نفذها الصندوق في الكلية الاكاديمية تل أبيب - يافا.
استثمار - ايمباكت خُصصت لتحصيل المردود الاجتماعي القابل للقياس، الى جانب المردود الاقتصادي. يطمح برنامج التدخل، الذي تشغّله جمعية "ألوما"، إلى تقليص حجم ونسبة المتسربين من التعليم، في المرحلة الأولى من كليات علوم الحاسوب في جامعة حيفا والكلية الاكاديمية تل أبيب - يافا، بواسطة ثلاثة مركبات أساسية: المساعدة التدريسية، المساعدة الاقتصادية، والمساعدة الخاصة للطلاب الجامعيين، معظمهم من الضواحي الاجتماعية والجغرافية في إسرائيل.

إنشاء مركز روتشيلد في تل أبيب

أقيم مركز إدموند دي روتشيلد في جادة روتشيلد في تل أبيب بهدف أن يكون بيتًا للفن والثقافة. يوفر المركز للطلاب، الباحثين وخريجي معاهد التعليم العالي في إسرائيل حيّزًا لائقًا لعرض أعمالهم وبهدف أن يقام حوار ثقافي محلي حي. يستضيف المركز أحداث ثقافية، معارض ومحاضرات في مجالات مختلفة، ويشجع الإبداع الأصلي والحداثي.

ارث عائلة روتشيلد

أسس البارون إدموند دي روتشيلد – حفيد “المعطاء الشهير” صندوق إدموند دي روتشيلد. في حين كان جده قد ترك بصمته على شراء الأراضي واستيطانها، سيُذكر البارون إدموند دي روتشيلد بفضل عمله لتحفيز الصناعة في أرض اسرائيل ومساهماته السخية لمؤسسات التربية والتعليم والثقافة.

كمكمل درب جده الخيرية وحامل راية الميراث العائلي بالتبرع السخي لبناء البلاد، أنشأ البارون إدموند دي روتشيلد، في مطلع الستينيات من القرن المنصرم صندوق إدموند دي روتشيلد، ودعا الدولة لأن تكون شريكة فيه. بحسب نموذج النشاط المميز الذي طوّره الصندوق، كل المدخولات من تطوير بلدة قيساريا تنتقل من الشركات التابعة للصندوق – وبينها شركة تطوير قيساريا والشركة لممتلكات قيساريا – لأهداف خيرية ترتكز حولها نشاطات الصندوق.

على مر السنين تمركزت العئالة في واجهة العمل لأجل خلق مجتمع إسرائيلي متقبل ومستوعب ومتلاحم، وتستمر هذه الرؤية بالخفقان والتحقق حتى في صفوف أبناء سلالته ومكملي درب المعطاء الشهير. منذ العام 1997 مع وفاة البارون إدموند دي روتشيلد، انتقلت ممتلكات الصندوق ونشاطه لأيدي ابنه، البارون بنيامين دي روتشيلد. البارون وعقيلته، البارونة اريان دي روتشيلد، ملتزمان بكل جماحهما للميراث العائلي ويقودان نشاط الصندوق في إسرائيل كجزب من شبكة صناديق إدموند دي روتشيلد التي تنشط في أنحاء العالم.

البارون إدموند دي روتشيلد - حفيد البارون السخي - مؤسس الصندوق

الصندوق على مر السنين